القرطبي

69

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم ( 1 ) " ، وقال : " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ( 2 ) " ففرق بينهم في اللفظ ، وظاهر العطف يقتضى مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، وأيضا فاسم الشرك عموم وليس بنص ، وقوله تعالى : " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ( 3 ) " بعد قوله : " والمحصنات من المؤمنات " نص ، فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل . فإن قيل : أراد بقوله : " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " أي أوتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا ، كقوله : " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ( 4 ) " الآية . وقوله : " من أهل الكتاب أمة قائمة ( 5 ) " الآية . قيل له : هذا خلاف نص الآية في قوله : " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " وخلاف ما قاله الجمهور ، فإنه لا يشكل على أحد جواز التزويج ممن أسلم وصار من أعيان المسلمين . فإن قالوا : فقد قال الله تعالى : " أولئك يدعون إلى النار " فجعل العلة في تحريم نكاحهن الدعاء إلى النار . والجواب أن ذلك علة لقوله تعالى : " ولامة مؤمنة خير من مشركة " لان المشرك يدعو إلى النار ، وهذه العلة مطردة في جميع الكفار ، فالمسلم خير من الكافر مطلقا ، وهذا بين . الرابعة - وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربا فلا يحل ، وسئل ابن عباس عن ذلك فقال : لا يحل ، وتلا قول الله تعالى : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ( 6 ) " إلى قوله : " صاغرون " . قال المحدث : حدثت بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه . وكره مالك تزوج الحربيات ، لعلة ترك الولد في دار الحرب ، ولتصرفها في الخمر والخنزير . الخامسة - قوله تعالى : ( ولامة مؤمنة خير من مشركة ) إخبار بأن المؤمنة المملوكة خير من المشركة ، وإن كانت ذات الحسب والمال . ( ولو أعجبتكم ) في الحسن وغير ذلك ، هذا قول الطبري وغيره . ونزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان ، فقال لها حذيفة : يا خنساء ، قد ذكرت في الملأ الأعلى مع سوادك ودمامتك ، وأنزل الله تعالى ذكرك في كتابه ، فأعتقها حذيفة وتزوجها . وقال السدى : نزلت في عبد الله بن رواحة ، كانت له أمة سوداء

--> ( 1 ) آية 105 سورة البقرة . ( 2 ) آية 1 سورة البينة . ( 3 ) آية 5 سورة المائدة . ( 4 ) آية 199 سورة آل عمران . ( 5 ) آية 113 سورة آل عمران . ( 6 ) آية 29 سورة التوبة .